الشوكاني
367
فتح القدير
لو خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما تقدم من عتابه على الإذن لهم في التخلف ، لأنه سارع إلى الإذن لهم ، ولم يكن قد علم من أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل ، فعوتب صلى الله عليه وآله وسلم على تسرعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب ، ولهذا قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة - فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا - الآية ، وقال في سورة الفتح - سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم - إلى قوله - قل لن تتبعونا - قوله ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل ) أي لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت شملهم من قبل هذه الغزوة التي تخلفوا عنك فيها . كما وقع من عبد الله بن أبي وغيره - ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون - . قوله ( وقلبوا لك الأمور ) أي صرفوها من أمر إلى أمر ، ودبروا لك الحيل والمكائد ، ومنه قول العرب " حول قلب " إذا كان دائرا حول المكائد والحيل يدير الرأي فيها ويتدبره . وقرئ " وقلبوا " بالتخفيف ( حتى جاء الحق ) أي إلى غاية هي مجئ الحق ، وهو النصر لك والتأييد ( وظهر أمر الله ) بإعزاز دينه وإعلاء شرعه وقهر أعدائه ، وقيل الحق القرآن ( وهم كارهون ) أي والحال أنهم كارهون لمجئ الحق وظهور أمر الله ، ولكن كان ذلك على رغم منهم ( ومنهم ) أي من المنافقين ( من يقول ) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ائذن لي ) في التخلف عن الجهاد ( ولا تفتني ) أي لا توقعني في الفتنة : أي الإثم إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك ، وقيل معناه : لا توقعني في الهلكة بالخروج ( ألا في الفتنة سقطوا ) أي في نفس الفتنة سقطوا ، وهي فتنة التخلف عن الجهاد ، والاعتذار الباطل . والمعنى : أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة ، وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة . وفى التعبير بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوى من أعلى إلى أسفل ، وذلك أشد من مجرد الدخول في الفتنة ، ثم توعدهم على ذلك فقال ( وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) أي مشتملة عليهم من جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصا ، ولا يتمكنون من الخروج منها بحال من الأحوال . وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير عن عمرو بن ميمون قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤمر فيهما بشئ : إذنه للمنافقين ، وأخذه من الأسارى ، فأنزل الله ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عون بن عبد الله قال : سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة ، فقال ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( عفا الله عنك ) الآية قال : ناس قالوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن أذن لكم فاقعدوا ، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا . وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) الثلاث الآيات ، قال : نسخها - فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم - . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عنه في قوله ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ) الآية قال : هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر ، وعذر الله المؤمنين فقال - فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم - . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عنه أيضا في قوله ( لا يستأذنك ) الآيتين قال : نسختها الآية التي في سورة النور - إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله - إلى - إن الله غفور رحيم - فجعل الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى النظرين في ذلك ، من غزا غزا في فضيلة ، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( ولكن كره الله انبعاثهم ) قال : خروجهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( فثبطهم ) قال : حبسهم . وأخرج